الأيام نيوز26 أبريل 2026
من اتفاق الجزائر إلى فوضى الميدان.. مالي في مفترق طرق خطير
تشهد مالي، في الآونة الأخيرة، تطورات متسارعة تعكس حالة من التدهور الأمني والسياسي، في ظل تصاعد التوترات واتساع رقعة الهجمات المسلحة، وهو ما يعيد طرح تساؤلات عميقة حول جدوى الخيارات التي انتهجتها السلطات الحاكمة منذ مطلع سنة 2024. وفي هذا السياق، قدّم المحامي والخبير الدولي الدكتور إسماعيل خلف الله قراءة تحليلية في تصريح خصّ به “الأيام نيوز”، اعتبر فيها أن ما تعيشه مالي اليوم لم يكن مفاجئا، بل نتيجة طبيعية لمسار سياسي وأمني تم الانحراف به عن أسسه الأصلية. نهاية اتفاق السلام بداية الانفجار يرى الدكتور خلف الله أن القرار الذي اتخذته السلطات الانقلابية في جانفي 2024، والقاضي بإنهاء اتفاق السلام والمصالحة في مالي الموقع في الجزائر سنة 2015، شكّل نقطة تحول خطيرة في مسار الأزمة المالية. هذا الاتفاق، الذي عُرف اختصارا بـ”اتفاق الجزائر”، لم يكن مجرد وثيقة سياسية، بل كان إطارا مرجعيا لإعادة بناء الثقة بين مختلف الأطراف، ووضع أسس الاستقرار في بلد أنهكته سنوات من الصراع.ويؤكد المتحدث أن الانقلاب على هذا الاتفاق لم يكن مجرد خطوة سياسية معزولة، بل مثّل ارتدادا واضحا عن المسار السلمي، وهو ما أدى، بشكل شبه حتمي، إلى تفاقم الأوضاع الأمنية. ويضيف أن الجزائر كانت قد حذّرت بشكل صريح من تداعيات هذا القرار، معتبرة أنه يحمل مخاطر جسيمة ليس فقط على مالي، بل على منطقة الساحل برمتها. وفي تحليله، يشدد الخبير الدولي على أن السلطات المالية، سواء الحالية أو التي سبقتها، أخطأت في الرهان على المقاربة العسكرية كحل للأزمة. فالتجارب السابقة، بحسب قوله، أثبتت أن هذا الخيار لا يؤدي إلا إلى تغذية الصراع وتعميق الانقسامات، بدل تحقيق المصالحة الوطنية المنشودة. ويضيف أن اللجوء إلى القوة العسكرية، دون مرافقة سياسية حقيقية، لا يمكن أن يؤسس لأمن دائم، بل يزرع بذور حرب أهلية قد تنفجر في أي لحظة. وهو ما يفسر، حسبه، حالة عدم الاستقرار التي تعيشها مالي اليوم، حيث تتزايد الهجمات وتتراجع قدرة الدولة على بسط نفوذها. الجزائر وسيط ثابت في زمن الاضطراب ورغم هذا الوضع المعقد، يؤكد الدكتور خلف الله أن الجزائر لا تزال متمسكة بدورها كوسيط نزيه وفاعل في الأزمة المالية، حيث تواصل الدعوة إلى العودة للحلول السياسية والحوار، بدل الانزلاق نحو المقاربات العسكرية. ويذكّر بأن الجزائر كانت الراعي الرئيسي لاتفاق السلام، الذي أوقف حربا أهلية استمرت قرابة سبع سنوات ونصف، ومكّن مالي من استعادة قدر من الاستقرار. وفي سياق متصل، عبّر المتحدث عن أسفه لما وصفه بمحاولات بعض الأطراف، خاصة وسائل إعلام محسوبة على النظام المخزني، لتوجيه اتهامات “باطلة” إلى الجزائر وتحميلها مسؤولية ما يحدث في مالي. واعتبر أن هذه الادعاءات تندرج ضمن حملات التشويش وتزييف الحقائق، مؤكداً أن الوقائع التاريخية تثبت عكس ذلك، حيث كانت الجزائر دائما طرفا صانعا للسلام لا عاملا في تأجيج الأزمات. ويحمّل الدكتور خلف الله جزءا كبيرا من المسؤولية للسلطة الانقلابية بقيادة عاصيمي غويتا، التي لم تكتفِ – حسب تعبيره – بالانقلاب على الحكم، بل قامت أيضاً بإلغاء اتفاق السلام، ما أعاد البلاد إلى نقطة الصفر، وأدخلها مجددا في دوامة العنف وعدم الاستقرار. ويحذر الخبير الدولي من الاعتماد الكلي على الرواية الرسمية للسلطات المالية، مشيرا إلى وجود فجوة واضحة بين ما يُعلن في البيانات الرسمية، خاصة من قبل المؤسسة العسكرية، وبين ما يجري فعليا على الأرض. فالمعطيات الميدانية، بحسب تصريحه، تؤكد أن مالي شهدت خلال الفترة الأخيرة سلسلة من الهجمات المنسقة التي استهدفت مواقع متعددة، من بينها العاصمة باماكو، إضافة إلى مدن كيدال وغاو ومناطق أخرى. ورغم تأكيد السلطات أن الوضع تحت السيطرة، إلا أن الواقع غير ذلك تماماً. وفي قراءة للوضع الأمني، يشير خلف الله إلى أن جبهة تحرير أزواد، إلى جانب جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة، تمكنت من بسط نفوذها على عدة مناطق، ما يعكس هشاشة الوضع الأمني وفشل المقاربة العسكرية في تحقيق الاستقرار. ومن بين المؤشرات المثيرة للقلق، يكشف المتحدث عن وجود منشآت عسكرية حساسة تخضع لحراسة أمنية أجنبية، قائلا إن إحدى أهم الثكنات العسكرية في البلاد مؤمّنة من قبل شركة خاصة يُرجّح أنها تركية، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول طبيعة السيادة الأمنية والترتيبات القائمة داخل البلاد. جيش منهك في الشمال كما يؤكد أن الجيش المالي، خاصة في مناطق الشمال وأقصى الشمال، يعاني حالة إنهاك كبيرة، ولم يعد قادرا على التحكم في الوضع الأمني أو فرض سيطرته الميدانية، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويضعف قدرة الدولة على مواجهة التحديات. وأضاف المتحدث أن مالي اليوم تدفع ثمن التخلي عن خيار السلام، وأن ما يحدث هو نتيجة مباشرة لهذا المسار. ويؤكد أن العودة إلى الحوار والمسار السياسي تبقى الخيار الوحيد لتفادي مزيد من الانزلاق نحو الفوضى، محذرا من أن استمرار الوضع الحالي قد يقود إلى تداعيات أخطر على المستويين الداخلي والإقليمي. وبين خطاب رسمي يعلن السيطرة، وواقع ميداني يكشف هشاشة الوضع، تبقى مالي عالقة في مفترق طرق حاسم، حيث تبدو الحاجة ملحة أكثر من أي وقت مضى لإعادة إحياء مسار السلام، قبل أن




